سليمان بن موسى الكلاعي

191

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

سألناه عنه . وحتى أحزن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتلكم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح . فذكر لي أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه : « لقد احتبست عنى يا جبريل حتى سؤت ظنا » . فقال له جبريل : وما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم : 64 ] « 1 » . فلما جاءهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بما عرفوا من الحق ، وعرفوا صدقه فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه ، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه ، فعتوا على الله وتركوا أمره عيانا ولجوا فيما هم عليه من الكفر ، فقال قائلهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] أي اجعلوه لغوا وباطلا ، واتخذوه هزوا لعلكم تغلبونه بذلك ، فإنكم إن ناظرتموه وخاصمتموه غلبكم . فقال أبو جهل بن هشام يوما وهو يهزأ برسول الله صلى اللّه عليه وسلم وما جاء به من الحق : يا معشر قريش ، يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم أعظم الناس عددا وكثرة ، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم ؟ ! . فأنزل الله في ذلك من قوله : وما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [ المدثر : 31 ] إلى آخر القصة « 2 » . فلما قال ذلك بعضهم لبعض ، جعلوا إذا جهر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بالقرآن وهو يصلى يتفرقون عنه ويأبون أن يستمعوا له ، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلى استرق السمع دونهم فرقا منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية إذا هم فلم يستمع ، وإن خفض رسول الله صلى اللّه عليه وسلم صوته فظن الذي يستمع أنهم لا يسمعون شيئا من قراءته وسمع هو شيئا دونهم أصاخ يستمع له « 3 » .

--> ( 1 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول ( 252 ) ، ابن حجر في فتح الباري ( 8 / 284 ) . ( 2 ) ذكره الشوكاني في فتح القدير ( 5 / 471 ) ، وقال : أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ولم يذكر له إسنادا . ( 3 ) ذكره الطبري في تفسيره ( 15 / 164 ) .